أبو علي سينا
320
الشفاء ( المنطق )
الأوساط مرتبة « 1 » بعضها تحت بعض ، مثلا إذا سئل فقيل لم صار النيل عند المحاق أشد سيلانا ؟ فيقال « 2 » لأن الشهر عند المحاق أشبه بحال الشتاء « 3 » . فقد تمت مسألة . ثم تسأل مسألة أخرى : ولم صار الشهر عند المحاق أشبه بحال الشتاء ؟ فيقال لأن القمر ينقص ضوؤه الذي يلينا فيعدم التسخن « 4 » الكائن منه . ولو سئل لم يكون هذا أيضا ؟ كان الجواب لأن الشمس - وهو الذي يفيده الضوء - صارت محاذية لجانبه الأعلى الذي لا يلينا « 5 » . فهذه المسائل كلها تحت سبب واحد وهو الاجتماع « 6 » ، إلا أنها مختلفة في القرب والبعد ، فليست مسألة واحدة . قيل : ويمكن أن يسأل سائل فيقول : إذا كان من الحدود الوسطى التي توضع عللا للكبريات ما يساويها مثل توسط الأرض بين القمر والشمس لكسوف القمر ، ومثل كون الورق « 7 » عريضا لانتثاره ، فإنه سبب مساو للانتثار وإن كان بعيدا ، والقريب هو سرعة انقشاش « 8 » الرطوبة الماسكة ، وهو أيضا مساو ، فيمكن أن يبين العلة بالمعلول أيضا كما يبين المعلول بالعلة ويصير البيان دورا . فإنه « 9 » إن شئنا قلنا إن القمر انكسف فقد توسطت الأرض بينه وبين الشمس ، وإن شيئا قلنا إن القمر توسطت الأرض بينه وبين الشمس فقد انكسف . وأيضا هذه الشجرة عريضة الورق فينتثر ورقها ، وهذه الشجرة انتثر ورقها فهي عريضة الورق . وهذا دور ظاهر . فيقال في جوابه إن هذا البيان فيهما ليس دورا ولا وجه البيان فيهما واحدا . أما أن البيان ليس فيهما دورا فذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الأمران مجهولين فيكون ذلك هو الدور - ولا كلام لنا في مثله . وإن سبق التوسط إلى الذهن فعرف بحساب ثم أثبت بتوسيطه الكسوف ، لم يكن دورا إلا أن يحاول إثبات التوسط من الكسوف الذي ثبت من
--> ( 1 ) ب ، م قريبة . ( 2 ) س فقال . ( 3 ) السبب الذي يذكره أرسطو هو " لأن الأنواء تكون أكثر في نهاية الشهر " . ( 4 ) س التسخين . ( 5 ) م ، ب لا يكتسب . ب خ لا يلينا . ( 6 ) أي محاذاة الشمس للجانب الأعلى من القمر وقت المحاق . ( 7 ) أي ورق الشجر . والمثال الذي أورده أرسطو هو كون ورق الشجر ينتثر . أي يسقط - لأنه عريض . ومعنى عبارة ابن سينا " ومثل كون الورق عريضا علة لانتثاره " . قارن هذه الفقرة بالفصل 16 من المرجع السابق . ( 8 ) ب انفشاش بالفاء : وهو انقشاش من قولهم قش النبات أي يبس . ( 9 ) س فإنا .